” العقد البراني وما يترتب عليه من محاذير “

جرت العادة لدى كثير من الشباب المقبل على مشروع الزّواج باجراء عقد شرعي يسمّى بالعقد البراني أو بالاملاك الشرعي وذلك قبل تلبيس الفتاة المخطوبة وقبل اجراء حفلة الخطبة ، والهدف من وراء هذا العقد هو رفع الحرج الشرعي في تلبيس الفتاة ومجالستها ومحادثتها والدّخول إلى بيتها ونحو ذلك من العلاقة التي جرى فيها العرف أثناء فترة ما قبل الزّفاف ، ولا شك أنّ هذا العقد وإن كان له ايجابيات من جانب إلاّ أنّ له محاذير من جانب آخر وقع فيها كثير من النّاس وما زال يعاني البعض إلى الآن من تبعاتها وآثارها الشرعية والاجتماعية والنّفسية على حد سواء ، وذلك بسبب تزعزع الثقة والأمانة وغياب الوازع الدّيني من ناحية وبسبب جهل النّاس في مضمون وحقيقة هذه العقد والآثار الشّرعية المترتبة عليه من ناحية أخرى …
وحول هذا العقد وحقيقته ومدى اعتباره من النّاحية الشرعية وما يترتب عليه من محاذير والأسباب الدّافعة إليها والوسائل الوقائية لتجنب هذه المحاذير وتجاوزها ، التقت صحيفة المدينة مع د. مشهور فوّاز المحاضر في كلية الدّعوة والعلوم الاسلامية ورئيس المجلس الاسلامي للافتاء في البلاد .

صحيفة المدينة : ما هي حقيقة هذا العقد البراني أو ما يسمّى الاملاك الشرعي وما الفرق بينه وبين العقد الرّسمي المسجل في الدّوائر الرّسمية .
الدّكتور مشهور : العقد البراني أو ما يسمّى الاملاك الشرعي لدى النّاس هو عبار عن عقد شرعي تترتب عليه كافة الآثار الشّرعية كالعقد الرّسمي تماما طالما أنّ العقد مستوف للأركان والشروط المطلوبة من حيث الصّيغة وهي الايجاب والقبول بألفاظ مخصوصة ووجود الوليّ والشّهود ، والفرق بينه وبين العقد الرّسمي هو من حيث التسجيل الرّسمي وعدمه فقط .

صحيفة المدينة : هذا يعني أنّ العقد البراني أو ما يسمّى الاملاك معتمد لدى المحاكم الشّرعية .
الدّكتور مشهور : بالطّبع ، طالما أنّه مستوف للأركان والشروط فإنّه يمكن تثبيته في المحكمة الشرعية واعتماده لكن هناك حاجه لاثباته أمام المحكمة حتى يصادق عليه.

صحيفة المدينة : ما هي الاسباب الدّافعة للجوء إلى مثل هذا العقد عادة وعدم تسجيله في الدّوائر الرّسمية ؟
الدّكتور مشهور : الحقيقة ، هنالك أسباب مختلفة ومتنوعة ، أبرزها :
1.عدم بلوغ الفتاة السن القانوني للزواج وهو 18 سنة .
2.تخوف أهل الفتاة من أن يسجّل في هوية الفتاة مطلقة في حالة الفراق وعدم الاستمرار .
3.وجود مانع قانوني لدى الزّوج وذلك بسبب كونه متزوجاً ، والقانون يمنع التعدد من زوجة أخرى ممّا يدفعه لاجراء مثل هذا العقد البراني .

صحيفة المدينة : بصفتكم صاحب تجربة في مثل هذه الموضوعات والمسائل من خلال معايشتكم لخلافات النّاس واستفتاءاتهم ، هل يمكن أن تطلعنا على بعض المحاذير المترتبة على هذا العقد ؟

الدّكتور مشهور : الحقيقة ، هنالك محاذير متعددة وقع فيها كثير من النّاس وما زالوا يتجرعون مآسي هذه المحاذير إلى وقتنا هذا ، اذكر أبرزها :
1. النّاس يقدمون على هذا العقد ولا يعرفون حقيقته ولا تبعاته وآثاره الشّرعية ، وإنّما يعتبرونه فقط غطاءً شرعياً للعلاقة بين الشاب والفتاة أشبه ب” تسليكة حال ” كما عبّر عنه بعضهم ، لذلك لا يقفون عند حدوده الشّرعية إمّا جهلاً وإمّا تعنتاً ، واذكر مثالاً على هذا الأمر : فتاة عقد عليها بعقد شرعي صحيح ولكنّه غير مسجّل في الدّوائر الرّسمية ولم يكن هنالك قسمة للاستمرار بين الشّاب والفتاة ، فترك الشّاب الفتاة دون أن يطلّقها ثمّ عقد عليها شاب آخر عقداً شرعياً ولم يسجّل كذلك العقد في الدّوائر الرّسمية ولم يكن في المرة الثانية أيضاً قسمة للاستمرار بين الشاب والفتاة ثمّ تركها الشّاب الثّاني وتقدم إليها شاب ثالث وعقد عليها عقداً شرعياً وتمّ تسجيله في الدّوائر الرّسمية ثمّ تمّ الزفاف وأنجبت الفتاة من هذا الشّاب وبعد مرور أعوام من الزّفاف تذكرت الفتاة أنّه كان قد عقد عليها بعقد براني ثمّ تركها الشاب ولم يطلّق وكذلك جاء آخر ولم يطلّق ، فما حكم علاقتها الآن مع هذا الزوج الثالث ؟
الحقيقة هذه كانت صدمة لي ، لأنّها ما زالت على ذمة الأول ، فالزواج الثاني والثالث كلاهما باطل ، وبالتّالي عشرتها مع هذا الزوج الثالث في اطار غير مشروع !!
2.اذكر أنّه أتتني حالة أنّ فتاة معقود عليها عقد براني واختفى العاقد عليها وغاب غيبة غير معلومة ولا يعلم هل طلق او لم يطلق في غيبته ، وبعد مرور أشهر أصبح الخطاب يطرقون باب أهلها وهي ما زالت على ذمة زوجها من النّاحية الشرعية ، ولكن من لطف القدر في هذه الحالة أن جاء والدها واستفتى حول الحكم الشّرعي في هذه المسألة ، واخبرناه حينها انّه لا يجوز الآن أن يتقدم أحد لخطبتها لا تصريحاً ولا تلميحاً ، وينبغي أولاالتوجه للمحكمة الشرعية وتثبيت العقد ثمّ تقديم طلب تفريق بسبب الغيبة والضرر ومن ثمّ يقوم القاضي بالبحث والتحري عن هذا الشاب وبعدها يقوم القاضي بالتفريق بينهما ومن ثمّ يسمح بالتقدم لخطبتها .
بناء على جاء في المادة 126 من قانون قرار حقوق العائلة : ” اذا اختفى الزوج أو سافر إلى محل يبعد مدة السفر أو اقل منها ثم غاب وانقطعت اخباره واصبح تحصيل النفقة منه متعذرا وطلبت الزوجة تفريقها يحكم الحاكم بالتفريق بينهما بعد بذل الجهد في البحث والتحري.”

3. حالات عديدة كان يتعنت فيها الشّاب ويمتنع عن الطلاق بدعوى انّ الفتاة تريده وأهلها يكرهونها على الطلاق أو يريد اذلال الفتاة أو أهلها ممّا قد يترتب على ذلك نزاع وشجار وخصومات ، وبطبيعة الحال النّاس يجهلون الاجراءات القانونية التّي يمكن أن يقوموا فيها لحل عقدة الزواج في هذه الحالة ممّا يزيد الأمر تعقيداً ناهيك عن استغلال بعض المحامين لكل من الشّاب والفتاة ، وقد يتقدم شاب لخطبتها ويعقد عليها وهي ما زالت على ذمة الأول .
4.حالات عديدة كان يتملص الشّاب من دفع الحقوق المترتبة عليه كنصف المهر مثلاّ ، بل قد يتمرد على قرار لجنة الصّلح ويضرب به عرض الحائط ، ممّا يضطر الفتاة وذويها إلى التنازل كي يوافق الشّاب على الطّلاق وذلك بسبب جهلهم في الاجراءات المطلوبة من النّاحية القانونية لحل رابطة العقد والمطالبة بحقوق الفتاة أو لعدم رغبة الأهل بالمواجهة في المحاكم أومن باب الاختصار للوقت أو لعدم القدرة على توكيل محام لابرام هذه الاجراءات ….
5.اذكر أنّه أتتني حالة تمّ فيها عقد على امرأة معينة بعقد براني ، ومن ثمّ أنكر الشاب الزّواج ، وبالطبع انكاره لن يشفع له إن حضر العقد شاهدان ( رجلان أو رجل وامرأتان ) وهذا غالباً ما يحصل ولكن هذه الحالة كان الزّواج فيها سرياً بين الزوجين والشهود ويبدو أن المرأة لم تكن تعرف الشهود ممّا يتعذر استدعاءهم لتثبيت العقد .
وبتصوري من أخطر صور العقد البراني وهو ما يسمّى بالزواج السّري حيث ينحصر بين الزوج والزوجة والشاهدين ، ولعلنا نخصّص تقريراً خاصاً فيما بعد لمعالجة هذه الظاهرة التّي بدأت بالتنامي في مجتمعاتنا نظراً كثرة العوانس والأرامل والمطلقات من ناحية وخشية الزوج من اطلاع زوجته الأولى وابنائه على هذا الزّواج من زوجة ثانية من الناحية الأخرى لأنّه عادة من يلجأ إليه متزوج يرغب في التعدد ، وغالباً هذا الزّواج لا يستمر لأنّه لا يؤسس على أسس صحيحة متينة فيتركها الزوج ويتنكر للزواج منها وذلك عملاً بما جاء بالمثل الشعبي ” اللي أجا بالسّاهل بروح بالسّاهل ” وللأسف النّساء لا تدرك هذه الحقيقة أو تتعامى عنها .
وإنّ من أكثر المشاهد المؤلمة في هذا الباب أنّ امرأة قد تمّ العقد عليها بعقد براني لا يعلم فيه أحد سوى الشّاهدين اللّذين حضرا العقد وفي حادث أليم توفي فيه الشّاب والفتاة ولم يبق إلاّ طفل واحد شاهدٌ على آثار هذا العقد السّري المجهول ، ممّا أثار شكوكاً وسوء ظنّ تجاه كل من الشاب والفتاة بل إنّ أول من تنكر له زوجته الأولى وابناؤه وبناته منها ، وأخذ الوقت معنا حتى اقنعنا أهل الشاب المتوفى بأنّ هذا الطفل ابناً لهم ولا يجوز التخلي عنهم بل لا بدّ من المطالبة بحضانته !!

صحيفة المدينة : في الختام : ما هي نصيحتكم للشباب والفتيات والأهالي والمسؤولين تجاه هذا العقد البراني ؟
أولا : لا ننصح بالعقد البراني لما سبق من المحاذير ومن المقرر في القواعد الفقهية أنّ درء المفاسد أولى من جلب المنافع, لذا نظراً لما نراه من مفاسد هذا العقد وضياع حقوق الناس ننصح أن يمتنع الناس عن اجرائه ، ولكنّ عدم نصيحتنا به لا يعني أنّه باطل من النّاحية الشّرعية.
ثانياً : نؤكّد على ما أكدنا عليه في التقرير السّابق من ضرورة اقامة دورات توعية للمقبلين والمقبلات على الزّواج .
ثالثاً : نؤكّد على المحاكم الشرعية بضرورة اقامة دورات شرعية لتأهيل المأذونين وان تنشر نشرات توجيهية توعي الناس فيها لمثل هذه الأمور، ونهيب بأئمة المساجد والوعاظ أخذ دورهم في هذا المجال, كما ونتوجه إلى رؤساء البلديات والمجالس المحلية من أجل أخذ دورهم بكل ما يتعلق بالحفاظ على الأسر والبيوت.
رابعاً : ننصح باستغلال حصة التربية في الثانويات للحديث حول التربية الأسرية من خلال الاستعانة بالمختصين الشرعيين والتربويين .

خامساً : نحذّر تحذيراً تاماً من الزواج السّري ونأمل بتخصيص تقرير خاص عبر زاوية المدينة لذلك .

وختاماً نشكر لطاقم صحيفة المدينة على طرقهم لأبواب هذه الموضوعات التّي لطالما كانت محكمة الاغلاق ولم يملك أحد من قبلها الجرأة على فتح بابها وعلاجها من النّاحية الشّرعية والقانونية والتربوية ، راجين لهم القبول والاستمرار قدما نحو الأمام .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.